الشيخ محمد رشيد رضا

351

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

في سبيل الحق ، لأجل منع القتل في سبيل الطاغوت ، لان المجاهدين هم الذين يحمون أمتهم وبلادهم ، والقاعدين الذين لا يأخذون حذرهم ، ولا يعدون للدفاع عدتهم ، يكونون عرضه لفتك غيرهم بهم ، ( 2 : 250 وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ ) بغلبة أهل الطاغوت عليها ، وظلمهم لأهلها ، وإهلاكهم للحرث والنسل فيها ، فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً هذا بيان لمفهوم عدم استواء المجاهدين والقاعدين غير أولي الضرر وهو ان اللّه تعالى رفع المجاهدين عليهم درجة وهي درجة العمل الذي يترتب عليه دفع شر الأعداء عن الملة والأمة والبلاد وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى أي ووعد اللّه المثوبة الحسنى كلا من الفريقين المجاهدين والقاعدين عن الجهاد عجزا منهم عنه وهم يتمنون لو قدروا عليه فقاموا به ، فان إيمان كل منهما واحد وإخلاصه واحد . وقدم مفعول « وعد » الأول وهو لفظ « كلا » لإفادة حصر هذا الوعد الكريم في هذين الفريقين المتساويين في الايمان والاخلاص ، المتفاضلين في العمل ، لقدرة أحدهما وعجز الاخر . وفسر قتادة الحسنى بالجنة وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بأموالهم وأنفسهم عَلَى الْقاعِدِينَ من غير أولي الضرر كما قال ابن جريج أَجْراً عَظِيماً وهو ما يبينه قوله تعالى * * * دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً اما الدرجات فقد بينا في غير هذا الموضع ما تدل عليه الآيات المتعددة فيها من تفاوت درجات الناس في الدنيا والآخرة ومنها قوله تعالى ( 17 : 21 انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ) وبينا ان درجات الآخرة مبنية على درجات الدنيا في الايمان والفضيلة والعمل النافع ، لا في الرزق وعرض الدنيا . وقد حمل بعض المفسرين الدرجات هنا على ما يكون للمجاهد في الدنيا من الفضائل والاعمال فقال قتادة : كان يقال : الاسلام درجة ، والاسلام في الهجرة درجة ، والجهاد في الهجرة درجة ، والقتال في الجهاد درجة اه وجعل بعضهم الجهاد هنا عدة درجات بحسب ما فيه من الاعمال الشاقة فقال ابن زيد :